ابن أبي الحديد
102
شرح نهج البلاغة
فاستطردوا لهم ، فإنهم يطمعون بذلك ، ثم تعطف عليهم حتى يقضى الله بيننا وبينهم بما يحب . ففعل النعمان ذلك ، فكان كما ظن طليحة ، وانقطع العجم عن حصونهم بعض الانقطاع ، فلما أمعنوا في الانكشاف للمسلمين حمل النعمان بالناس ، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يسمع السامعون مثله ، وزلق بالنعمان فرسه فصرع وأصيب ، وتناول الراية نعيم أخوه ، فأتى حذيفة لها فدفعها إليه ، وكتم المسلمون مصاب أميرهم ، واقتتلوا حتى أظلم الليل ، ورجعوا والمسلمون وراءهم ، فعمى عليهم قصدهم فتركوه ، وغشيهم المسلمون بالسيوف ، فقتلوا منهم مالا يحصى ، وأدرك المسلمون الفيروزان وهو هارب ، وقد انتهى إلى ثنية مشحونة ( 1 ) ببغال موقرة عسلا ، فحبسته على أجله ، فقتل ، فقال المسلمون : إن لله جنودا من عسل . ودخل المسلمون نهاوند فاحتووا على ما فيها ، وكانت أنفال هذا اليوم عظيمة ، فحملت إلى عمر ، فلما رآها بكى ، فقال له المسلمون : إن هذا اليوم يوم سرور وجذل ، فما بكاؤك ؟ قال : ما أظن أن الله تعالى زوى ( 2 ) هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر إلا لخير أراده بهما ، ولا أراه فتحه على إلا لشر أريد بي ، إن هذا المال لا يلبث أن يفتن الناس . ثم رفع يده إلى السماء يدعو ويقول : اللهم اعصمني ولا تكلني إلى نفسي ، يقولها مرارا ، ثم قسمه بين المسلمين عن آخره .
--> ( 1 ) يقال : شحن المدينة بالخيل أو البغال ، إذا ملأها . ( 2 ) زوى : منع وصرف .